صبحي الصالح

50

مباحث في علوم القرآن

الآية » « 1 » . على هذا المنوال ظلّ القرآن ينزل نجوما ، ليقرأه النبي صلى اللّه عليه وسلم على مكث ويقرأه الصحابة شيئا بعد شيء ، يتدرج مع الأحداث والوقائع والمناسبات الفردية والاجتماعية التي تعاقبت في حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم خلال ثلاثة وعشرين عاما على الأصح ، تبعا للقول بأن مدة إقامته عليه السلام في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة . أما إقامته بالمدينة فهي عشر سنين اتفاقا : فعن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأربعين سنة ، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، ثم أمر بالهجرة عشر سنين ، ومات وهو ابن ثلاث وستين « 2 » . وقدر بعضهم مدة نزول القرآن بعشرين سنة ، وبعضهم بخمس وعشرين ، وبنوا هذا على أن إقامته عليه السلام بمكّة بعد البعثة كانت عشر سنين أو خمس عشرة سنة « 3 » . وقد بدأ نزول القرآن - كما قال الشعبي « 4 » - « في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات » « 5 » . والشعبي يجمع في هذا الرأي بين قوله تعالى : « إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ « 6 » » : وقوله « وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ » « 7 » ، وهو فهم سديد لا يتضارب مع خبار اللّه بإنزال كتابه في ليلة مباركة ، وفي شهر رمضان ، إذ يكون المراد

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 73 . ( 2 ) صحيح البخاري 4 / 57 . ( 3 ) قارن بين « البرهان 1 / 232 » و « الاتقان 1 / 68 » . ( 4 ) الشعبي هو عامر بن شراحيل ، ويكنى أبا عمرو . أكبر شيوخ أبي حنيفة ، وأحد المشهود لهم بالإمامة في الحديث والفقه . روى عن عليّ بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وزيد بن ثابت ، وجابر بن عبد اللّه ، وغيرهم . وقال : إنه أدرك خمس مائة من الصحابة . وروى عنه الأعمش ، وقتادة ، وأبو الزناد ، وغيرهم . توفي سنة 109 . ( 5 ) البرهان 1 / 228 . ( 6 ) سورة القدر 1 . ( 7 ) سورة الإسراء 106 .